منتدى مدينة الخيثر
مرحبا بكم شرفنونا بزيارنكم لمنتدانا انرجو منكم الدخول او التسجيل لان في حاجة لابداعاتك ....اهلين ياغاليين

منطلقات البحث العلمي في السيرة النبوية السيد جعفر مرتضى العاملي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

منطلقات البحث العلمي في السيرة النبوية السيد جعفر مرتضى العاملي

مُساهمة من طرف kadri mohamed1 في 2011-06-03, 10:28

أهمية السيرة النبوية وحساسيتها:

إنه لا ريب في أن للتاريخ أهميته وتأثيره في حياة الشعوب والأمم. ولكن تاريخ نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم يبقى هو الأعظم أهميةً، والأقوى تأثيراً، خصوصاً بالنسبة للشعوب الإسلامية عبر العصور، على اختلاف أجناسها، ولغاتها، وانتماءاتها.

ويرجع ذلك إلى طبيعة العلاقة التي تربط الناس بالإسلام بما له من شمولية، ودقة متناهية، ثم بنبي الإسلام (ص)، الذي يمثل التجسيد الحي، والأسوة والقدوة للناس، في أدق الأمور وأقلها، وأعظمها خطراً وأجلها.

فالنبي (ص) الأسوة والقدوة، هو المربي، والمفتي، والقاضي، والولي، والقائد العسكري، وصاحب القرار السياسي، وما إلى ذلك.

فمن الطبيعي إذن، أن يكون لسيرته (ص) تأثير أساسي ومصيري في كل الواقع الذي يعيشه الناس، وفي مختلف جهات وجودهم: في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، وفي التكوين النفسي، والفكري للإنسان المسلم، وفي خصائص شخصيته وحالاتها، حتى على مستوى العواطف والمشاعر، ثم في طبيعة النظرة للأمور، وأسلوب التعاطي معها. بل في طموحات الإنسان ورغباته، وآماله القريبة والبعيدة منها على حد سواء.

ولأجل ذلك نقول:

إن أي شيء يسجله التاريخ لنا عن نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، قد تكون له أبعاد ودلالات مختلفة ومتفاوتة كماً وكيفاً، فقد نجده مرتبطاً ـ كلاً أو بعضاً ـ بالسلوك، وبالفقه، وبالموقف السياسي، وبالتعامل التربوي. وله دلالات اعتقادية، وتأثيرات عاطفية، وارتباط بالعلاقات الاجتماعية، وكذلك بتفسير القرآن، وبالرجال، والدراية، وباللغة، والأنساب، والجغرافيا، والطب، وما إلى ذلك.

وهذا ما يؤكد لنا صعوبة البحث في السيرة النبوية ومشقاته، على صعيد تحقيق النصوص وتمحيصها، ثم الاستفادة منها في الموقع المناسب، وبالطريقة المناسبة.

ويوضح أيضاً: أن البحث في السيرة النبوية هو الأشد حساسيةً وخطراً؛ لأن أي خطإس أو إفراط أو تفريط فيه سيترك آثاره على عقائد، وسياسيات، وسلوك الناس، ومجمل حياتهم، وشخصيتهم الفردية والاجتماعية.
المادة التاريخية في مصادرها:

وإن مما لا شك فيه هو أننا نملك ثروة تراثية هائلة، لم يتسنّ لأية أمة أن تملك لها من شموليتها ودقتها، وتوفر عناصر الصحة فيها. وهي تكفي ـ لو أعطيت حقها من الدراسة والتمحيص ـ لإعطاء صورة واقعية، متقاربة الملامح، ليس في الخطوط العامة وحسب، وإنما في كثير من التفاصيل الدقيقة، لحياة نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى بالنسبة للكثير من الأحداث التي مرت بالمسلمين، بل بالأنبياء (ع) السابقين أيضاً.

ويعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأغنى والأصفى، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو التدوين الأول الصحيح لنصوص سيرة النبي الأكرم (ص)، ولغيرها من شؤون وقضايا. ثم هناك ثروة هائلة من النقول ـ وكثير منها يرتقي إلى درجة التواتر القطعي ـ التي تكفلت بالتاريخ لمختلف الموضوعات، خصوصاً ما يحكي لنا منها مواقفه (ص)، وأقواله، وأفعاله، ومناسكه، وعباداته، وسياساته، وغير ذلك من شؤون تنوعت واتّسعت لتستقطب كافة مناحي الحياة وجهاتها.

وهذه السعة والشمولية قد انتجت انتشار المادة التاريخية في مختلف الكتب والموسوعات، مثل: كتب العقائد، والرجال، والفقه، والأنساب، والتفسير، وعلوم القرآن، واللغة، والشعر، والأدب، والجغرافيا، وغير ذلك من علوم إنسانية إسلامية، كتبت بعد ظهور الإسلام، هذا فضلاً عن كتب التاريخ والسيرة.
نظرة عابرة على المادة التاريخية:

وكان ما نقله الناقلون خاضعاً في دقته وعمقه لمستويات ادراك، وتوجهات واهتمامات الناقلين، ونوع ثقافاتهم. وقد تلمس في بعضها درجة من السذاجة والسطحية تفقدها صلاحية الاستدلال بها، أو الاعتماد عليها في بلورة صورة واقعية، منسجمة المعالم عن الحدث الذي يراد التاريخ له.

أما كتب التاريخ؛ فعدا عن أنها قد جاءت انتقائية لأسباب مختلفة، فإنها قد اكتفت بعرض الروايات للوقائع، وفق تسلسل زمني، أو وفق هيكلية معينة، من دون أن تهتم بدوافع الحدث ومحفزاته القريبة، فضلاً عن ربطه بسائر المؤثرات والأسباب، أو الظروف والمناخات التي انتجته، أو أثرت فيه بصورة أو بأخرى، أما النتائج والآثار، فهي غائبة كلياً أو تكاد عن ذهن الراوي، أو المؤرّخ، إلا فيما شذ وندر، وحيث لا يجد أي حرج أو تثريب في الإشارة إلى شيء من ذلك.
كتب السيرة:

أما الذين كتبوا السيرة، فقد وقعوا في محذوري الإفراط والتفريط، حينما اهتم فريق منهم بالناحية الفضائلية، والمعجزات والكرامات، وكأنّ النبوة، متمحضة في الشأن الغيبي، أو أنها مجرد حالة شخصية فردية تعني الرسول الأكرم (ص) دون كل أحد سواه.

واهتم آخرون بالموقف السياسي، والحاكمية، والقرار، والدولة، أو بالحروب. فلم يكن ثمة نظرة شمولية بمستوى شمولية الأسوة والقدوة للنموذج الإسلامي الأول، والأكمل والامثل.
التحريف والتزييف:

وغني عن القول: إن بعض النقول لم تصل إلينا سليمة ولا قويمة، بل تعرضت للتحريف وللتزييف، عن عمد، أو عن غير عمد، حيث لم يقتصر الرواة على نقل خصوص ما تيقنوه من أحداث وشؤون، بل أضافوا إليه الكثير من المظنونات، والحدسيات، أو المختلقات التي صنعتها الأهواء، والعصبيات، والمصالح الخاصة، والسياسات، التي رأت: أن من مصلحتها نسبة ذلك إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ليكتسب بذلك شرعية وقداسة، تبعده عن الريب، وتجعله يحظى بالرضا والقبول من مختلف الفئات والطبقات.

وقد كان للحكّام مساهمات واسعة في هذا المجال. وذلك في ظل سياساتهم التي اتّبعوها أو تابعوها، والقاضية بعدم السماح بتدوين الحديث، أو روايته إلا لأشخاص بخصوصهم. ثم عدم السماح بالعمل ببعض السنن، ولا بالسؤال عن معاني القرآن ومراميه. وذلك بعد أن فرضوا على كبار الصحابة الإقامة في مدينة الرسول ومنعهم من السفر إلى سائر البلاد.

ومضت الأحقاب والأجيال، حتى نشأ الصغير، وهرم الكبير على هذه السياسات، التي رافقت السياسات الصارمة القاضية بإبعاد الأمة عن المصدر الأوثق والأصدق والأصفى للمعارف على شموليتها وتنوعها. وهم أهل البيت عليهم السلام، وتهجين أطروحتهم، وممارسة رقابة دقيقة على كل ما يصدر عنهم، أو ينتهي إليهم.

ثم لم يقتصر الحكام على المرتزقة، ووعاظ السلاطين في تسويق ما زعموه أنه دين وعلم ومعرفة وتاريخ.. بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أخطر، وأمرّ وأدهى. حيث كانت الجريمة الحقيقية هي تمكينهم مسلمة أهل الكتاب من نشر ترهاتهم وأباطيلهم، التي لم تسلم منها لا العقائد، ولا المفاهيم، ولا القيم، وحتى أحكام الشريعة والدين، وذلك حينما فتحوا لهم مساجد المسلمين ليقصّوا على الناس، من إسرائيلياتهم.. وكان كبار رجال الدولة حتى الخلفاء يحضرون مجالس القصص تلك، فزادت بذلك جرأتهم، التي تنامت وتكرست في ظل حديث مزعوم نسبوه إلى رسول الله (ص) يقول: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.

وأصبحت الإسرائيليات والأهواء ـ خصوصاً أهواء الحكام ـ ديناً. وأصبح الإنحراف شريعة. ومضت القرون والأحقاب بما فيها، وصار الكثير من ذلك جزء من حياة الناس اليومية وتأثر به تفكيرهم، ومفاهيمهم وعاداتهم ثم أصبح جزء من تاريخهم الذي اعتبروه سديداً ومجيداً.
أيهما أخطر:

وكانت الحربة التي واجهت بها قوى البغي والطغيان الأمة الإسلامية، هي التشكيك في قيمها ومقدساتها بشراسة وعنف، وكان أيسر ذلك وأخطره هو محاولة تشويه التراث وتهجينه، أو على الأقل التشكيك فيه، تمهيداً لفصل الأمة عنه، وإقامة الحواجز بينها وبينه.

ولكن الأخطر والأمر الأدهى من ذلك هو أنه قد تبعهم عن قصد أو عن غير قصد أصحاب الطموحات الباطلة، الذين يعانون من الضعف والخواء العلمي؛ حيث سّهل عليهم ـ بل ليس ثمة أسهل ـ من أن يقوم شخص ما برصد بعض نقاط الضعف ـ بنظره ـ، وإثارة جوٍ من التشكيك بإثارة مشكلة هنا، وإطلاق شبهة هناك، ثم تضخيمها وتهجينها بطريقة غوغائية هي أشبه بأسلوب التهريج منها بالنقد، أو بالبحث العلمي المنصف والرصين.

ثم إنه على أساس ما ينشأ عن ذلك من مناخ نفسي مضطرب وضاغط، يشن هجماته الشرسة، والكاسحة على الثوابت الأساسية، التي ترتقي إلى درجة الضرورة والبداهة، بل والمساس بصورة صريحة أحياناً بأقدس المقدسات وأسماها، دونما مبرر أو دليل معقول، ومقبول، بهدف خلخلة ثباتها، وزعزعة وجودها، وتدمير حالة الحصانة والمناعة لدى عامة الناس، الذين تبهرهم الإدعاءات، وتستخفهم الطنطنات الخاوية، من قبل ذلك الذي يعرف متى، وأين، ومن أين تؤكل الكتف.

ثم يقدم باسم الدين، وباسم الفكر والوعي البديل الممسوخ، الذي هو في الحقيقة مجرد هجين مركب من استحسانات وتصورات، وتصويرات، هي في كثير من الأحيان بعيدة عن المنطق السوي، وعن روح الشريعة والدين، إن لم تكن متنافرة مع أصوله وثوابته. وليصور نفسه أمام الناس على أنه باعث حركة، ورائد نهضة فكرية وحضارية. أراد ان يقيمها على رفاة الإسلام الذبيح.
التحقيق في التراث:

وكل ما تقدم ينتهي بنا إلى القول: إن المبادرة إلى تحليل النص قبل ثبوته، وقبل التوثق من صحته وسلامته، ثم الاستنتاج والاستفادة العملية منه تصبح أمراً غير عملي، ولا منطقي، كما إن الاستدلالات الساذجة والسطحية، والاستحسانات المحكومة بمسبقات ذهنية رديئة ومتخلفة تصبح هي الأخرى غير مقبولة ولا معقولة أيضاً.

هذا، بالإضافة إلى أنه لا يجوز أن يصبح التراث، وخصوصاً السيرة النبوية المباركة، عرضة لتطفل من لا يملك المؤهلات الكافية لإنجاز عمل تحقيقي وافٍ وعميق، يميز الصحيح من المزيف، والسليم من المحرف لأن أي خطأ، أو إفراط، أو تفريط في ذلك معناه الاستهانة بمستقبل هذا الإنسان، وتريضه لخطر كبير واكيد.
ضوابط لحفظ الإنحراف:

أما الوسائل والمعايير التي يمكن بواسطتها معرفة الصحيح من السقيم فليست جميعها مما يصح الاعتماد عليه في ذلك، بل إن بعضها من وضع دعاة التزوير وروّاده؛ بهدف تأكيد الإنحراف، وحفظ تلك الترهات والأباطيل. لا لأجل التخلص أو التحفظ منها. ومن السذاجة بمكان أن نتوقّع من دعاة الدس والتزوير أن يضعوا طريقة، أو يستسيغوا وسيلة تبطل كيدهم، وتبدد جهدهم. بل هم سوف يضعون ضوابط تحفظ لهم هذا الجهد، وتساهم في تعمية السبل إلى كشف الزيف. ولسوف يوجدون كل المبررات ـ حتى باسم الشرع والعقل، والدين والعلم ـ التي تعطي ترهاتهم واباطيلهم وتحريفاتهم المزيد من الصلابة والتجذُر في فكر الناس وفي نفوسهم.

وقد نجحوا فيما أرادوه أيما نجاح، وأصبح نقل جبل من مكان أسهل وأيسر من اقتلاع أباطيلهم من فكر الناس ومن حياتهم. لاسيما بعد أن تقادم عليها الزمن، واصبحت جزءاً من تاريخ أحاطوه بهالة من القداسة، واعتبروه من أمجاد الأجداد ـ السلف الصالح بزعمهم ـ للأولاد والأحفاد الذين سلكوا طريقهم بكثير من حسن النية، وسلامة الطوية لدى الكثيرين منهم.

والذي ساعد على ذلك أيضاً: أن هؤلاء الأحفاد لم يكونوا مؤهّلين للتعامل مع هذا الواقع من موقع الخبرة الواسعة، والهيمنة العلمية، والوعي الصافي والكافي لاستشعار الخلل، وتلمس آثاره ثم مواجهته بمسؤولية وثبات.

ولا ننسى: أن الكثيرين من هؤلاء قد عاش على فتات موائد الحكّام، ورضي أن يقوم بدور المقرر والمبرر لكل خطهم ونهجهم، وطموحاتهم، وحارب من حاربوا، وأحب من أحبوا؛ فكان أن محقوا الدين باسم الدين، واستبدلت أحكام الشريعة بأحكام الأهواء، والنظرة الإلهية بالنظرة الشيطانية الماكرة والفاجرة.
أمثلة ونماذج:

وإذا أردنا أن نقدم نماذج حية للضوابط والمعايير، التي تتطلب منا مزيداً من التروّي، والبحث حولها، والتمحيص لها من قبل الإقدام على اعتمادها في البحث العلمي؛ فإننا نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ قيمة سنة الصحابي مقابل سنة الرسول.

2 ـ اجتهاد الصحابة. واجتهاد الحكام.

3 ـ عدالة كل من رأى رسول الله (ص) مميزاً، ولو من بعيد.

4 ـ من ينتقد الصحابة زنديق.

5 ـ حتمية توبة الصحابي.

6 ـ لا يفسق الصحابي بما يفسق به غيره.

7 ـ التصويب في اجتهاد الرأي.

8 ـ سهو النبي ونسيانه، وعصمته في خصوص التبليغ.

9 ـ قبول رواية الخوارج والمبتدعة حتى عمران بن حطان مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتم علي عليه السلام. وردّ رواية من فيه تشيّع ولو يسير لأهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام.

10 ـ من روى له الشيخان جاز القنطرة.

11 ـ صحة ما ورد في مجاميع حديثية بعينها.

12 ـ لا يعرض الحديث على القرآن، وحديث عرض الحديث على القرآن من وضع الزنادقة.

13 ـ السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاض على السنة.

14 ـ موافقة أهل الكتاب أمارة صحة، ودليل سلامة.

15 ـ جرح من يرى جواز الكفاح لدفع الظلم. مع قبولهم روايات الخوارج، القائلين بنفس هذه المقالة، بل هم أشد وأخطر في هذا المجال.

16 ـ حدود تصرفات الأنبياء ومعجزاتهم وكراماتهم في نطاق الرعاية والهداية للأمة.

17 ـ مدى قيمة حديث: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.

18 ـ الحسن والقبح شرعيان. أم عقليان.

إلى غير ذلك مما لا مجال لاستقصائه.
التوضيح والتطبيق:

ومن أجل توضيح الفكرة نشير هنا إلى مثالين اثنين، هما:

المثال الأول: اجتهاد النبي (ص) وخطؤه في الاجتهاد:

فقد رأينا البعض (ورد ذلك في محاضرة للدكتورة حنان لحام في مؤتمر السيرة النبوية/ بدمشق) يقول: إنه (ص) يجتهد كما يجتهد الناس، ويخطئ كما يخطئون. حتى ليكون فعله أرقى من قوله. أو أنه (ص) كان يهتم بترشيد اجتهاد الصحابة، فيدع آراءه الاجتهادية لصالح آرائهم واجتهاداتهم.

مع أن الصحيح هو خلاف ذلك، فهو (ص) معصوم عن الخطأ والزلل؛ وكل ما يقوله ويفعله، حق وصدق، ووفق الحكمة. ولذلك استحق أن يكون قدوة وأسوة في قوله وفعله وتقريره.

وكل ما دل على خلاف ذلك ـ في ظاهره ـ فهو إما غير صحيح، أو أنه فهم بطريقة خاطئة.

فقصة أنه (ص) أراد إعطاء ثلث ثمار المدينة لغطفان في غزوة الأحزاب قد أثبت التحقيق الدقيق عدم صحتها.

والآيات القرآنية التي نزلت حول مصير أسرى بدر كان التقريع فيها متوجهاً إلى غير النبي (ص) من الصحابة الذين أصروا عليه (ص) بإطلاق سراحهم.

وحديث رضاع الكبير لا يصح أيضاً، ثم هو يتضمن التوسل بأمر محرم إلى أمر آخر. وهو ملامسة رجل لثدي امرأة اجنبية عنه.

وفي غزوة بني قريظة لم يبادر بعض الصحابة إلى تنفيذ أمر النبي (ص)، فوقعوا في محذور تأخير الصلاة، فلم يكن ثمة فائدة من اللوم والتقريع لهم.

وقصة أبي هريرة، حينما أعطاه (ص) نعليه، وأرسله ليبشر الناس بأن شهادة الشهادتين تكفي لدخول الجنة، ثم عدل (ص) عن ذلك حينما أقنعوه بعدم صوابية ذلك، لأن الناس سوف يتّكلون، ويتركون واجباتهم الأساسية.

إن هذه القصة لا تصح أيضاً. خصوصاً وأنها تتضمن انتقاصاً من حكمة النبي (ص) وعلمه ودرايته بالأضافة إلى عدم وجود تفسير مرضٍ لأن يحمّل (ص) أبا هريرة نعليه (!!)، ثم إرساله إلى الناس بهما!!

وفيما يرتبط بقضائه (ص) بين الناس بالإيمان والشهادات، فإن هذا هو تكليفه الثابت، ولم يكن له أن يقضي بعلمه الواقعي، الذي عرفه من جبرئيل. فإذا كان ثمة خطأ، فإنما هو خطأ البينة واليمين، لا خطأ رسول الله (ص).

وعن قصة عبس وتولى نقول: ليس في القرآن ما يدل على أن العتاب الإلهي موجه للنبي (ص). وإنما الآيات تتحدث عن شخص عبس وتولى حين جاءه الأعمى. مع أن هذا العابس يدعي الحرص على الإسلام. ثم يتوجه الله إليه بالخطاب بقوله: وما يدريك.. وذلك على سبيل الالتفات تماماً كقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.

هذا، ولعل مقولة اجتهاد الرسول، وخطئه في الاجتهاد قد أطلقها البعض بهدف تبرير الخطأ والاختلاف والتبدل في اجتهادات الحكام، والأئمة الذين يقلّدهم ويحترمهم.

المثال الثاني: كرامات ومعجزاتا الأنبياء خارج نطاق الدعوة:

فقد قيل: إن الأنبياء بشر عاديون لا يملكون أية فرصة للتصرُّف والتأثير في الأمور خارج نطاق الدعوة والتبليغ. ومعجزاتهم مقصورة على مقام التحدّي وإقامة الحجة في مقام إثبات النبوة. ولأجل ذلك اعتبر الله سبحانه النبي بشراً في أكثر من آية قرآنية. كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء / 90ـ93].

فقد دلت الآيات على أن النبي لا يقدر على شيء مما ذكر، وليس لديه خارج قدرة البشر أية قدرة ذاتية غير عادية. ولم تنسب الخوارق في القرآن إلى الشخص إلا في قصة عيسى، وإبرائه الاكمه والأبرص وإحياء الموتى.

فإذا كانت مهمات الأنبياء هي التبليغ والإرشاد وفقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب / 45 و46].

فإن التصرفات الإعجازية وغير العادية تبقى محصورة في دائرة التحدّي وإثبات النبوة، وحاجات التبليغ والدعوة.

فكل النصوص التي تثبت كرامات أو معجزات أو تصرفات غير عادية، للأنبياء لا يلتفت إليها، بل تلقى في سلة المهملات، وتخرج عن دائرة السيرة والتاريخ الصحيح، أو الذي يمكن أن يكون صحيحاً.

ونقول:

إن هذا الكلام كله غير صحيح، لأنّ آيات التحدّي لبشرية الرسول، إنما جاءت رداً على ما يزعمونه من لزوم كون النبي من غير البشر، ويشير إلى ذلك: أنه تعالى قد عقب هذه الآيات مباشرة بقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ [الإسراء / 94و95]. ولأجل هذا نجد أنه (ص) لم يستجب لمطالبهم التعجيزية تلك، لأن ذلك يعني ترسيخ ذلك الاعتقاد الخاطئ في نفوسهم، وإقراره بصورة عملية.

ومن جهة ثانية: إن مهمة الأنبياء لا تنحصر بالتبليغ والدعوة، وإنما هي تتجاوز ذلك ليكونوا هم القادة والذادة والحكّام على الناس، والمهيمنون على مسيرة البشرية، الذين سيوصلونها إلى الله سبحانه، من خلال تربيتهم وهدايتهم لها، وحاكميتهم وهيمنتهم على كل شؤونها في مسيرتها إلى كمالها، الذي ينتهي بها إلى الله سبحانه. ولهم إشراف على كل الواقع الروحي والعقيدي، والتربوي، والسلوكي، للأمة وعلى كل علاقاتها بكل شيء في هذا العالم، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة.

وهذا يحتّم أن يكونوا على درجة كبيرة من المعرفة، وأن يملكوا قدرات وطاقات كبيرة، تتناسب مع حجم المهمة الموكلة إليهم على مستوى البشرية بل والعالم بأسره. والعنصر الأساس والضروري والحساس في هذه الهيمنة الشاملة هو العلم. الذي ظهر لنا: من قصة داود: أنه هو الوسيلة الأعظم تأثيراً في ذلك. وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾ [النمل / 15].

وقال سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل / 16].

ووصف الله سبحانه داود: بـ ﴿ذَا الأيْدِ﴾ [ص / 17]، وقال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص / 20].

بل إن أحد أتباع سليمان قد جاء بعرش بلقيس في لحظة، بواسطة العلم. قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ﴾ [النمل / 40].

وحين فهم سليمان كلام النملة: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا﴾، واعتبر ذلك نعمة إلهية تستوجب الشكر، الأمر الذي يشير إلى أنه هو الذي فهم قولها بما أنعم الله عليه من معرفة لغات الطير والحيوان وتعلّمه لها.

كما أن معرفة سليمان بوجود عرش بلقيس لم تكن بواسطة المعجزة بل كانت بواسطة الهدهد.

وتسخير الجبال، والجن، والطير، والريح لآل داود، وحتى لين الحديد لداود قد كان ـ فيما يظهر ـ من خلال المعرفة والعلم، لا لمجرد الإعجاز، وإلا لما كان يحتاج سليمان إلى مراقبة الجن الذين كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، ولما كان بحاجة إلى تشغيلهم بالبناء وبالغوص في البحار لاستخراج خيراتها. فقد كان بإمكانه إيجاد ذلك بالمعجزة. ولم يكن أيضاً بحاجة إلى أن يقرن شياطين الجن بالأصفاد. إلى آخر ما هنالك.

وكذلك الحال بالنسبة لموسى، فإن الأمر لو كان يقتصر على الإعجاز المجرد، لم يكن ثمة حاجة إلى ضرب البحر بعصاه، ولا إلى تحول عصاه إلى ثعبان، بل كان البحر ينفلق وإبطال السحر يتم بدون ذلك، وبصورة إعجازية.

وملاحظة ثالثة نسجلها هنا، وهي أن القرآن نفسه قد نطق بهذه الكرامات والمعجزات خارج نطاق التحدي. إذ أن معجزة النبي الأعظم (ص) هي القرآن، مع أن القرآن نفسه قد تحدث عن خوارق عادات أخرى، لم ترد في مقام التحدّي وإثبات النبوة، وذلك مثل قضية الإسراء. ومثل قضية المعراج في ما يعتقده ذلك البعض ولا يستطيع أن ينكره.

هذا، مع أن كرامات ومعجزات النبي (ص) والأئمة من بعده، تعد بالعشرات، بل المئات، إلى درجة أن إنكارها وعدم ثبوتها يفسح المجال أمام إنكار أبده البديهيات في الإسلام. فراجع ما ينقلونه عنه (ص)، من إطعامه (ص) جيشاً بأكمله قبضة من تمر، أو من شاة، وتكليم الحيوانات له وغير ذلك كثير جداً ولم يكن ثمة تحدٍّ يقتضي المعجزة، ولا كان ثمة ضرورة لإقامة الحجة لإثبات النبوة.

أما قولهم: لم يذكر في القرآن ما ظاهره نسبة الفعل إلى الشخص إلا بالنسبة لعيسى. فلا يمكن قبوله. إذ قد تقدم ما يشير إلى مثل ذلك في آل داود، وغيرهم، بل ثمة ما يشير إلى ذلك بالنسبة أحد اتباع سليمان وهو آصف بن برخيا، الذي نسب الاتيان بعرش بلقيس إلى نفسه: أنا آتيك به إلخ..

على أن تعقيب الحديث عن عيسى بقوله: {بإذن الله} يجعل هذا الاستثناء غير ظاهر الفائدة، إذ أن كل معجزات وكرامات الأنبياء قد كانت بإذن الله تعالى.

وقول الله لموسى: {اضرب بعصاك}، أو: {ألق عصاك}. إذن منه فلا يختلف الأمر بالنسبة إليه عن عيسى.

وذلك يؤكد على أن ما يجري ليس لأجل أن لدى الأنبياء والأئمة قدرات ذاتية بمعزل عن إرادة الله تعالى.
لابد من حسم الأمر:

وقد اتضح مما تقدم: أن حسم الأمر في تلك المعايير والضوابط وغيرها، لابد منه ولا غنى عنه قبل التعرُّض لأي عمل تحقيقي في نصوص السيرة النبوية الشريفة، لأن نتائج البحث في السيرة تتوقف إثباتاً ونفياً على نتائج البحث فيها وتختلف باختلافها.
مقتضيات التنوع:

ومن جهة أخرى، وحيث أن الواقع الموضوعي قد أثبت بطلان نظرية العامل الواحد في صنع التاريخ، وفي التأثير فيه. وأظهر أن لكل قضية ظروفها، وخصوصياتها، وعناصرها، وتشعباتها المناسبة لها، والخاصة بها..

وحيث قد اتضح: أن سيرة نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تختلف عن غيرها بأن لها مساساً بمختلف الشؤون الحياتية للإنسان..

فإن ذلك يعني: أن تصحيح السيرة والتاريخ باعتماد وسيلة واحدة، والبحث عن عامل واحد ـ كالسند مثلاً ـ أمر غير واقعي ولا عملي، ولا يكفي لتحقيق نتائج حاسمة ومقنعة إطلاقاً.

فلابد إذن من قبول التنوع في وسائل الإثبات، وفي ضوابطه ومعاييره. مع ملاحظة: أن التحقيق في قضية قد يحتاج إلى وسائل للإثبات، أو النفي، أو التقليم والتطعيم، لا يحتاج إليها، أو إلى بعضها في قضية أخرى.

كما أن ذلك يمنع من الاقتصار على ما سجله لنا الطبري، وابن هشام مثلاً. بل لابد من تنوع المصادر المعتمدة، وفق تنوع مفردات الحدث الذي هو موضع البحث، وهي قد تكون منتشرة في مختلف كتب التراث.

مع الأخذ بنظر الاعتبار: أن يكون من يتصدّى للبحث ذا خبرة واسعة وعلى درجة عالية من دقة النظر، والإحاطة بالاتجاهات السياسية والعقائدية وغيرها، مما كان في زمن الحدث، وله تأثير مباشر أو غير مباشر فيه. مع خبرة كافية وإشراف على شتّى العلوم والمعارف الإسلامية التي يقترب منها النص، أو يلامس بعض جوانبها، أو يثير أياً من كوامنها.

وذلك يشير إلى درجة الصعوبة، وحجم المعاناة التي لابد أن يواجهها الباحث في قضايا التراث، إذا أراد أن يكون بحثه وافياً وموضوعياً، ونزيهاً ومثمراً.
طبيعة المعايير والضوابط للبحث العلمي:

أما بالنسبة للوسائل والمعايير التي يفترض بالباحث ان يعتمدها في حصحصة الحق فهي نفسها تلك التي يعتمدها عقلاء البشر كافة، على اختلاف نحلهم واتجاهاتهم ومذاهبهم. فالبحث السندي مثلاً، معتمد لدى الجميع، فلا يأخذ أحد بنقل من اشتهر بالكذب، أو بكثرة الغلط أو النسيان. ولا ممن يتهم بأنه لا يتورّع عن التزوير، أو التحوير، بهدف تأييد أو تفنيد هذا الاتجاه أو ذاك.

كما أن عقلاء البشر كافة، وكذلك الباحثون في التراث، يرفضون الاعتماد على المضمون الذي يتنافى مع ما هو مشاهد بالعيان جغرافياً، كما لو ادّعى: أن بغداد في مصر، أو مع الثبات كونياً، كما لو ادعى أن الأرض مسطحة، أو أنها تقوم على قرن ثور، أو أن الشمس تدور حول الأرض. أو يناقض الثابت تاريخياً، كدعوى أن بخث نصّر قد عاش في القرن الثامن عشر، وكذا لو كان مخالفاً للضرورة العقلية، أو لما هو مشاهد في علوم الطب، والفيزياء، وغير ذلك.
الاستدلال الكلامي في قضايا التاريخ:

وإذا كان البشر يؤثرون ويتأثرون بالحدث مع اختلاف وتنوُّع في حدود ومستويات ذلك التأثير والتأثُّر، فإن ذلك يفرض على الباحث أن يتفهّم بعمق، واقع الناس الذين شاركوا في صنع الحدث، أو عايشوه، وأثروا وتأثروا به:

فليس لنا إذن أن ندرس تاريخ أي شخصٍ، منفصلاً عن فكره وقناعاته، وعناصر تكوين شخصيته، وطروحاته، فلا مجال إذن لقبول نصٍ ينسب ليزيد مثلاً الورع والتقوى، وأنه دافع عن الحسين عليه السلام في كربلاء. أو ينسب للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ما يتنافى مع عقله، وحكمته، أو مع طهارته وعصمته. ويظهره على أنه يتصرف كطفل، ويتعامل مع الناس كمجنون، لا يتورّع عن ارتكاب المآثم، واقتراف الموبقات والجرائم، والعياذ بالله.

إذن.. فلا يمكن استبعاد الوسائل التي لها مساس بالنواحي الاعتقادية العامة، ثم بالجهات السلوكية، أو ما له مدخلية في تكوين الشخصية النبوية، عن محيط التحقيق والبحث في السيرة النبوية المباركة؛ لأن معرفتنا بكثير من القضايا التي ترتبط بالذات الإلهية، وبمواصفات النبي (ص) ومهماته، وما يجوز عليه، وما لا يجوز، تسهِّل علينا اكتشاف كثير من مواقع التحريف والتزييف فيما ينسب له (ص) من أقوال، وأفعال، وتساعد على حسم الأمر حين تتعارض الأخبار، إذا كان بعضها يتضمن شيئاً من ذلك. ولا ننتظهر نتيجة البحث السندي، حتى ولو وصف الرجاليون الرواة بالوثاقة والصدق. لأن التحريف أو التزييف ربما يكون قد تم بطريقة ذكية وشيطانية ماكرة.

ويتضح مما تقدم: أن الاستدلال بالنص القرآني يصبح أمراً لابد منه ولا غنى عنه، في قبول أو رد مضمون أي نص يواجه الباحث، لأن اليقين بصدق القرآن، ودقته في حكاية الواقع يجعله أرقى وأدق معيار لمعرفة الصحيح من المزيّف، والصحيح من المحرف.

بل إن هذا الأمر ينسحب على أي كتاب، أو وثيقة، أو مرجع نتيقن صدقه وصحته، ودقته، ما دام هذا اليقين مستنداً إلى مبرراته الواقعية والموضوعية.
فصل الحدث عن جذوره ودوافعه:

وإذا كان للدين تأثيره العميق، ولو بدرجات متفاوتة في الحركة الفكرية للمجتمع الذي نشأ فيه الحدث، ثم في تكوين المفاهيم العامة، والقناعات العقيدية، ثم في الحالة النفسية، والمعيشية، وفي درجات الاستجابة والرفض، وفي الاندفاعات العاطفية. ثم في نظرة هذا المجتمع إلى الحكام، وطبيعة تعامله معهم، وتأثير ذلك على مستوى هيمنتهم على مصادر القوة فيه. ثم تأثيره في طبيعة الروابط القائمة فيما بين عناصر المجتمع نفسه، ومدى تماسكه الذاتي. وفي غير ذلك من أمور.

نعم.. إذا كان للدين تأثير في ذلك كله وسواه. فذلك يعني: أنه لن يكون في منأى عن التأثير في الأحداث والقضايا التي تواجه المجتمع. وقد تبرز إلى جانبه عوامل أخرى لها تأثيرها أيضاً، كالعامل القبلي، أو السياسي، أو العاطفي أو الاقتصادي، وما إلى ذلك.

وقد تصبح هذه العوامل على درجة من الظهور يصبح معها تلمّس تأثير العامل الديني على درجة من الصعوبة، الأمر الذي يحتّم على الباحث مزيداً من التريُّث والتأنّي في دراسته لقضايا السيرة والتاريخ، ثم في إصداره أحكامه النهائية فيها. وبدون ذلك، فما علينا إلا أن نتوقع منه الوقوع في محذور فصل الحدث عن جذوره ودوافعه، أو ينتهي به الأمر إلى استئصال الكثير من آثاره ونتائجه، ثم استبدالها بما لا يعدو كونه مجرد انسيابات خيالية لا واقع لها ثم هو يقدم لنا حدثا تاريخيا مبتورا ومشوهاً، لا يستطيع في أحيانٍ كثيرة أن يكون معبراً عن الواقع إلا بمقدار ما تشير به الإصبع إلى السماء، وإلى ما فيها من عجائب وغرائب.

فلا محيص إذن عن الاستفادة من العامل الديني، لكشف الكثير من جوانب وخلفيات وظروف الحدث التاريخي موضع البحث.

وكمثال على ذلك نذكر: أن معركة بدر مثلاً كان للعامل القبلي، والسياسي، والديني، والاقتصادي، والنفسي، والاجتماعي، وغير ذلك تأثيرات ـ ولو بدرجات مختلفة ـ على نشأة الحرب، ثم على مسارها، ونتائجها. ثم كان لهذه الحرب نفسها تأثيرات على كل الواقع السياسي، والديني، والقبلي، والاجتماعي، والاقتصادي، وما إلى ذلك، بالنسبة للفريقين المتحاربين على حد سواء، فلابد من تلمّس الباحث ذلك بأناة وبدقة ووعي.
اللمسات الأخيرة:

وآخر ما نقوله فيما يرتبط بما يفرضه البحث العلمي النزيه والمنصف هو ضرورة المقارنة بين النصوص المختلفة، وملاحقة كل شارة وواردة، ثم تلمس المبررات الموضوعية لاختيار أي واحد منها، ثم الاستفادة الصحيحة منه في الموقع المناسب، في رسم لمحات الصورة الحقيقية، حيث يجعلها أكثر صفاءً ونقاءً، وأشد تألقاً وإشراقاً.

ثم لابد من ربط الأمور بمناشئها، والدوافع بغاياتها، والأحداث، بما لها من علل ومحفزات، ومن آثار وتاثرات. دون أن يكون ثمة إخلال بالتصور العام المستند إلى الحقائق المرتكزة على الثوابت الصحيحة، والمعايير والضوابط المقبولة والواضحة.

مع التزام الدقّة في التعبير، باختيار أقرب الألفاظ وأيسرها دلالة على المقصود، إذا لابد من التزام جانب الحذر من استعمال المجازات والكنايات، التي ربما تؤثر على إدراك الحجم الطبيعي للحدث، أو للحالة العامة، والظروف التي احتضنته، أو ساهمت في صنعه. وذلك من أجل تمكين الآخرين من أن يعيشوا الفكرة في محيطها الطبيعي. ومن دون أي تكلُّف أو إجهاد.

ولا ننسى أخيراً: أن إثراء البحث التاريخي بالنصوص والشواهد، ثم تنوع المصادر فيه، والحصول على ثقة الآخرين، بأنه ليس ثمة تجاهل لنوع معيّن من النصوص، ولا سعي للتعتيم عليها، أو التقليل من أهميتها ـ إن ذلك وسواه ـ يعطي البحث في السيرة النبوية، بل في كل بحث تاريخي أو غيره قيمة كبيرة، ويجعله جديراً بأن يسهم في بناء الإنسان، ويعطيه دوراً حساساً، ومؤثراً، في حاضره وفي مستقبله على حد سواء.

والحمد لله، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين

kadri mohamed1
عضو نشيط

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 02/06/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منطلقات البحث العلمي في السيرة النبوية السيد جعفر مرتضى العاملي

مُساهمة من طرف hamitoalonso في 2011-06-04, 23:05

شكرا

hamitoalonso
عضو نشيط و خدام في المنتدى
عضو نشيط و خدام في المنتدى

عدد المساهمات : 190
تاريخ التسجيل : 16/05/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى